نموذجان ناجحان للمدرسة النظامية بمنتصف القرن العشرين.. مدرسة طار (2) / سيدي أحمد ولد الأمير

تناولنا في مقالنا السابق نشأة مدرسة بوتلميت وتطورها وفي هذا المقال سنتحدث عن مدرسة أطار؛ إذ لا يمكن الحديث عن نشأة المدراس النظامية في موريتانيا في النصف الأول من القرن العشرين دون الحديث عن مدرسة أطار التي تم افتتاحها في يناير 1936، وقد شكلت توسعا نوعيا للمدرسة النظامية في بلادنا بحكم الأهمية البالغة التي تمتاز بها منطقة آدرار عموما في المنظومة والاجتماعية والسياسية الموريتانية.

ومن نافلة القول التذكير بأنه توجد بآدرار مدينة شنقيط العريقة ذات الشهرة التاريخية والتي أعطت لهذه الصحراء اسمها في القرون الماضية؛ نظرا لمكانتها في الثقافة العربية الإسلامية ودورها المحوري في شبكة العلاقات التجارية والثقافية في الماضي، فعُرِف سكان هذه البلاد باسم الشناقطة في المشرق وصار لهم علما به يعرفون وبواسطته يتميزون. كما أن بآدرار حواضر أخرى مثل ودان وأطار وأوجفت، والتي سارت هي الأخرى على نفس منوال شنقيط، من حيث التمكين للثقافة العربية الإسلامية ببلادنا، والربط بين مختلف مناطق موريتانيا وبين الأصقاع المغاربية والإفريقية في شبكة من العلاقات الاقتصادية والتجارية.

وكان من حسن حظ مدرسة أطار أن تم اختيار مجموعة من علماء وفقهاء المنطقة لتولي التدريس بها كالفقيه والعالم سيدي محمد بن أحمد بن حبت الغلاوي، وكالفقيه القاضي محمد سالم بن عبد الحي الرقيبي (صاحب كتاب جامع المهمات في اخبار الرقيبات)، والفقيه اللغوي سيدي ولد خليل السمسدي والشيخ سعد بوه بن الشيخ فاضل بن محمد الشريف؛ ليكونوا طاقم المدرسة التربوي التي انطلقت به. فأخذت مدرسة أطار بذلك -منذ البداية- نقطة قوة وعامل طمأنة للأسر في آدرار بل في شمال موريتانيا، فقبلوا تسجيل أبنائهم دون ممانعة لوجود هذه الكوكبة من الأعيان الأعلام في هيئة التدريس بأطار.

ولم يقتصر التسجيل في مدرسة أطار، كما تقول التقارير الفرنسية، على أبناء الشمال الموريتاني، بل إن بعض ساكنة منطقة وادي الذهب، الواقعة في ذلك التاريخ تحت الاستعمار الإسباني، سجلوا أبناءهم في مدرسة أطار. وربما كان في ذلك فرصة للفرنسيين لتوسيع نفوذهم وإثبات تفوقهم على الإسبان. ومن اللافت أن العديد من التقارير تتحدث عن رغبة العديد من أعيان دائرة الترارزة وشيوخ القبائل بها في تسجيل أبناءهم بمدرسة أطار.

مدرسة أطار مختلفة عن مدارس المستعمرات الفرنسية

تميزت مدرسة أطار منذ البداية باختلافها عن المدارس في بوتلميت والمذرذه وتنبدغه وتمبكتو، وهي المدارس التي سبقتها في التأسيس، ويعود الاختلاف إلى تقليص إن لم نقل تحييد تعليم اللغة الفرنسية في البداية، في مقابل التمكين للغة العربية وللعلوم الشرعية. ولأن آدرار شكل قيادة قاطرة المقاومة الوطنية مع مجيء الاستعمار بداية القرن العشرين فإن ذلك كان من أسباب تمكين الفرنسيين للغة العربية في هذه المدرسة بالذات، فهذا العامل كان حاضرا في أذهان الفرنسيين في نظري، بالإضافة إلى كون الفرنسيين قد استفادوا من الثغرات التي وقعت في النظام التربوي في موريتانيا، واقتنعوا أن أي تعليم يقصي اللغة العربية والعلوم الشرعية أو يتجاهلها مصيرُه ابتعادُ السكان عنه وعزوفُهم عن تسجيل أبنائهم فيه. لذلك أراد الفرنسيون كسب ثقة سكان آدرار من جهة، وتصحيح بعض أخطائهم التربوية فجعلوا للغة العربية مكانة أهم في مناهج المدرسة. وبذلك صارت مدرسة أطار، في ظل الاستعمار الفرنسي، أولَ مدرسة تُنْصَف فيها اللغة العربية والعلوم الشرعية، ويصحح ميزان التربوي حتى يتلاءم مع هوية المجتمع وتمسكه بأصالته المتجسدة في اللغة العربية.

ومع أن تمويل مدرسة أطار فرنسي والإشراف الإداري كان منوطا بحاكم دائرة آدرار، إلا أنه في البداية على الأقل لم يكن للفرنسية مكان جوهري في منهج المدرسة طيلة سنتين دراسيتين. وتتحدث بعض التقارير عن أن بعض الأعيان وآباء التلاميذ طلبوا من الإدارة بعد سنتين من التعليم أن تضاف حصص من الفرنسية لبرامج المدرسة، وهو أمر كان الحاكم الفرنسي العام لدول غرب إفريقيا جول بريفييه (Jules Brévié) مصرا عليه من جانبه. ومعلوم أن التوظيف في الإدارة الفرنسية، فضلا عن كسب المنافع ودفع المضار كانت أمور من بين أخرى تحتم تعليم اللغة الفرنسية في ذلك التاريخ؛ لذلك لم يكن بد من تعلمها والدفع بالأبناء لاكتساب مهاراتها.

وقد جاء في خبر منشور في العدد الخامس من “الحولية الاستعمارية”، لسان حال المعهد الاستعماري الفرنسي، الصادر بتاريخ 15 مارس 1936م تحت عنوان: “مدرسة في أطار”، ما نصه: “تم مؤخرا إنشاء مدرسة جهوية إسلامية في أطار بموريتانيا تحت مسمى مدرسه. والهدف منها الحفاظ على العربية الفصحى بموريتانيا العليا، وتكوين نخبة من أهالي الأطراف لتأهيلها على التواصل معنا. وهذه المدرسة مقصورة فقط على أبناء الشيوخ والأعيان من البيضان ممن تتراوح أعمارهم ما بين 13 سنة كحد أدنى إلى 20 سنة كحد أقصى، على أن يكونوا حاصلين على تعليم قرآني حسن، فهذه هي شروط الالتحاق بالمدرسة. ويتضمن التعليم بهذه المدرسة دراسة اللغة العربية ونحوها والعروض والأدب والفقه والسيرة النبوية وتفسير القرآن والعقيدة. ومدة الدراسة أربع سنوات تتوج بدبلوم نهاية الدراسة. والإطار التربوي للمدرسة مكون من مدير مكتتب من بين طلاب مدرسة الجزائر ومن أربعة أستاذة يتم اختبارهم من بين علماء الشمال الموريتاني”.

كان تلامذة الفصل الأول عند إنشاء المدرسة ستة عشر تلميذا وقد تطور العدد ليصبح مع نهاية العام تسعة وثلاثين تلميذا، ولن يفتتح العام الدراسي الموالي حتى يصبح العدد ستين تلميذا. وكانت دروس اللغة الفرنسية شبه منعدمة في البداية لكنها ستصبح إلزامية؛ ذلك أن الحاكم الفرنسي العام لدول غرب إفريقيا جول بريفييه رفض الاعتراف بمدرسة لا تدرس بها اللغة الفرنسية وأصر على أن يكون تعليم الفرنسية إلزاميا لذلك لم يمر عامان على تأسيس مدرسة أطار حتى أصبح تعليم اللغة الفرنسية إلزاميًا بها، وربما ساعد على ذلك ما ذكره الإداري بول ديبييه في تقرير له في الموضوع عن طلب أولياء الأمور والطلاب إضافة اللغة الفرنسية التي ألزم بها الوالي الفرنسي العام في غرب إفريقيا في نفس الوقت. لذلك لن نصل إلى سنة 1938 حتى يصبح الدرس الفرنسي المعتمد على كتيب مامادو وبينيتا ساعة في اليوم.

الإطار التربوي بمدرسة أطار.. كفاءة وتميز

كان أول مدير لمدرسة أطار هو الأستاذ الجزائري مكي الجنيدي بن أحمد، وهو من مدينة سطيف، وكان بداية أول مدير جزائري لمدرسة بوتلميت سنة 1922 قبل أن يحول إلى إدارة مدرسة المذرذره بسبب شكوى وبقي بالمذرذره حتى سنة 1928 حيث عاد للجزائر. ثم أعيد مرة أخرى لموريتانيا ليتولى إدارة مدرسة أطار غداة افتتاحها. وكان ثاني مدير لها الأستاذ الجزائري بوعلام ولد الرويس (توفي 1993) وهو من مدينة المدية بالغرب الجزائري وقد تم تعيينه في أطار بعد أن كان مدير مدرسة بوتلميت ليخلفه هناك مصطفى بن موسى.

وفي سنة 1942 تم تحويل بوعلام إلى تمبكتو بمنطقة أزواد بمالي ليخلفه في أطار السيد عبد الرحمن النقلي (توفي في فبراير 1990)، وهو ثالث مدير جزائري لمدرسة أطار. وقد ظل النقلي مديرا لمدرسة أطار حتى سنة 1947 لينتقل هو أيضا إلى تمبكتو.

ويشتهر النقلي عند ساكنة أطار بلقب المدير، فإذا قيل “المدير” في ثلاثينيات القرن الماضي بآدرار فالمراد عبد الرحمن النقلي دون سواه. وقد اندمج النقلي رحمه الله في المجتمع الموريتاني وتزوج بمريمَ بنت سيدي محمد بن أحمد بن حبت الغلاوية وصار الموريتانيون أخوال ذريته، قبل أن يعود للجزائر منخرطا في صفوف الثورة ليعين بعد الاستقلال الجزائري في السلك الدبلوماسي. وبعد تحويل عبد الرحمن النقلي الى تمبكتو سنة 1948 عادت إدارة مدرسة أطار للموريتانيين فتم تعيين سيدي محمد ولد محمد أحمد الملقب الديين رحمه الله تعالى برحمته الواسعة مديرا لها.

أما مدرسو مدرسة أطار فكان من بينهم: العالم الفقيه سيدي محمد ولد حبت الذي أسند إليه تدريس العقيدة وتفسير القرآن الكريم، كما تولى الشيخ سعد بوه ولد الشيخ محمد فاضل ولد محمد ولد اعبيدي تدريس اللغة العربية (والدته هند بنت أحمد مولود بن انتهاه السمسدية) وسيستقيل من المدرسة سنة 1939م. وتولى محمد سالم ولد الحبيب ولد عبد الحي الركيبي تدريس الفقه. كما تولى سيدي ولد اخليل السمسدي تدريس السيرة النبوية. وتولى محفوظ ولد أحمد سالم ولد ببوط الغيلاني تدريس الفرنسية إلى جانب العربية. أما العالم اللغوي محمدُّ ولد عبدِ الله الجكني الرمظاني الذي سيغادر مدرسة أطار محولا إلى كيفه سنة 1943 ويحل عوضا عنه المؤرخ المختار بن حامدٌ أستاذا بمدرسة أطار، فكان يدرس النحو والصرف والأدب.

ومن المعلوم أن محمدُّ ولد عبدِ الله الجكني، الشهير بلقبه تَبُّو والمتوفى سنة 1949م، كان أحد خريجي محظرة يحظيه ولد عبد الودود، وهو ابن عم يحظيه، وهو مثله في الخوؤلة فأمه خديجة بنت سيدي المختار بن المامون من أولاد بوخطار من تاكنانت. وله نسخة مشهورة من طرة ابن رونا على ألفية مالك في النحو تعرف في المحاظر الموريتانية باسم “الغالية”، وعندي منها نسخة فيها زيادات مفيدة ونادرة.

وكانت الإدارة الفرنسية ترغب -حسب تقرير حاكم دائرة آدرار باشمان- في شراء مكتبة أهل حبت ونقلها من شنقيط إلى كنوال ووضعها تحت ملكية مدرسة أطار، لكن أسرة أهل حبت رفضت ذلك رغم العروض المادية السخية التي عرضتها الإدارة.

بوعلام ولد الرويس واختيار موقع مدرسة أطار وتوجهها

يتحدث الجزائري بوعلام ولد الرويس في أحد تقاريره الموجهة إلى الإدارة الفرنسية أنه تفاوض مع أعيان مدينة أطار على التعديلات التي شملت المناهج الدراسية والتي بموجبها تم تكريس اللغة العربية، كما حدد مع هؤلاء الأعيان الأساتذة المحتمل أن يدرسوا بأطار، وأصر ولد الرويس على أن يكون جميعُهم من النخبة الفكرية من ساكنة المنطقة، وذلك من أجل تلميع سمعة المدرسة الجديدة بين العائلات التي ظلت تمانع في إرسال أبنائها للمدرسة النظامية. ويعبر ولد الرويس عن غبطته حين وجد حماسا من أعيان قبيلة الركيبات التي كانت متحفظة بشأن إرسال أبنائها إلى المدرسة.

اختار ولد الرويس كنوال، وهو ضاحية أطار الجنوبية، مكانا للمدرسة، لما في تلك الضاحية من رمزية وفائدة، فكنوال في الأصل موضع بساتين نخيل إمارة آدرار وكان محل “كيطنة” الأمراء وحيث الحل والعقد في آدرار، ولأنه على مسافة قليلة من المدينة فسيتمكن الطلاب من الدراسة دون أي عوامل تشتت الانتباه، كما أنه موضع قريب من أعين الإدارة الاستعمارية شديدة السهر على نشأة المدرسة ومتابعتها. وقد أوصى بوعلام بضرورة بناء مجمع يكون فيه سكن للمدير وآخر للطلاب جنبًا إلى جنب مع مبنى جديد للمدرسة نفسها. كما قام بإعداد قائمة بالمواد الضرورية بدءًا بأثاث الفصول الدراسية إلى أدوات المطبخ التي ستستعمل في مسكن الطلاب الداخلي.

وقد ظل ولد الرويس في أطار حتى عام 1939 وقد خلفه عبد الرحمن النقلي الذي وصل أطار في شهر مارس من نفس السنة. كان عبد الرحمن النقلي المولود سنة 1914م من منطقة القبائل، وقد أرسله والده القاضي للدراسة في مدرسة قسنطينة وبعد ذلك التحق بالقسم الأعلى في مدرسة الجزائر العاصمة. وكان عبد الرحمن النقلي حريصا على ارتداء الزي المدني طيلة إدارته لمدرسة أطار.

وقد ذكر المختار بن حامدٌ أول مجلس له مع المدير عبد الرحمن النقلي في مقامته الأطارية عندما قال فيها: “فدخلت من فوري على المدير * وتمثلت بالبيت الشهير:

فألقت عصاها واستقر بها النوى
 

كما قر عينا بالإياب المسافر
 

فلقيني بوجه رحب * ومنطق عذب * وآواني إلى بيت وضيء * وفراش وطيء * قد ظوهرت الفراء فيه * ونثرت الوسائد في جانبيه * وأحضر للسلام علي التلامذة * ولإكرامي الأساتذة * فلو رأيت السكر إذ كسر * والمفتول الأخضر إذ أحضر * والكاسات إذ صفت * وبالإبريق حفت * وأقعدت الطابله * مقعد القابله * وجاء المغراج غاليا * وعلى الكانون عاليا * وقام الفتى محفوظ  يدير * وهو عن يمين المدير * وعن يمينه ابن المنير  * وبين يديه  سراج منير * وسيد محمد  إلى اليمين * وإلى يمينه هذا المسكين  * وعن يمينه العالم * الأستاذ محمد سالم”.

والشخصيات المذكورة في هذا المجلس بالإضافة إلى المدير عبد الرحمن النقلي ومؤلف المقامة المختار بن حامدٌ هم: محفوظ بن أحمد سالم بن ببوط الغيلاني (توفي 1997م)، وكان من بيوتات الرئاسة في أولاد غيلان وكان يدرس اللغة الفرنسية والعربية، ومن رجال الشأن العام ورجال الإدارة الأوائل. وقد قال فيه أحد الأدباء مادحا:

كَلْمتْ غَيْلاَنْ وُذَ مَثْبُوتْ
لَاحْمَدْ سَالمْ وامْنَيْنْ إِمُوتْ
 

مَكْتُوبَ فِي اللَّوْحْ الْمَحْفُوظْ
مَكْتُوبَ فِي اللَّوْحْ الْ مَحْفُوظْ
 

وأحمد بن عبد الله بن المنير العلوي الشنقيطي (توفي 1998م) وهو من رجالات العلم والمعرفة وكان من رجال الدولة كذلك، شغل عدة مناصب مهمة في الإدارة الموريتانية. وسيد محمد بن عبد الرحيم بن الشيخ أحمد بن الفاضل الديماني (توفي 1991م) وقد جمع بين الأمور العامة والاهتمام بالعلم وشغل عدة مناصب إدارية. والقاضي محمد سالم بن الحبيب بن الحسين بن عبد الحي الركيبي الملقب “اباه” (توفي 1962م) وقد اشتهر بالعلم والتدريس وبيته بيت القضاء في الركيبات. ترك عدة مؤلفات في الفقه والتاريخ وغيرها.

وسيقضي المختار بن حامد ست سنوات مدرسا بمدرسة أطار حيث سيغادرها سنة 1949م بعد تعيينه باحثا في المعهد الفرنسي بغرب إفريقيا (IFAN) بمدينة سان لويس بالسنغال.

ومن بين تلاميذ مدرسة أطار الأوائل: مَنَنَّه ولد اسلامه ولد اسويدي السلموني الغيلاني ومحمد لحبيب ولد عبد الله ولد بيروك وأخوه دحمان التكنيان، وسعد بوه ولد سيدي عثمان ولد محمد غلام، ومحمد فاضل ولد عبد الرحمن وكلاهما من أهل اجَّيْهْ المختار، ومحمد ولد سيدي ولد حبت، ومحمد الأمين ولد محمد عبد الرحمن ولد الشيخ ولد حامني، ومحمد ولد أحمد ولد عبد الله ولد أحمد ولد البشير ومحمد محمود ولد أحمد ولد السبتي الغلاويون، وأحمد ولد محمد عبد الله ولد أبنو (الذي كان في مدرسة بوتلميت) وأحمد بن المنير وابن عمه بدي ولد لحبيب ولد المنير العلويون. ومن الركيبات: إبراهيم ولد محمد سالم ولد إبراهيم ولد آفريط وماء العينين ولد اعلي سالم ولد بابه حمو (من أهل بلاو)، ومحمد ولد الطيب ولد اعلي غازي (أولاد القاظي). ومن السماسيد: إسماعيل ولد سيدي أحمد ولد عبد الرحمن ولد اعبيدنا، وعبد الله ولد الحضرامي ولد عبيد (الذي سيصبح فيما بعد أول عمدة لأطار وسيقتل غيلة رحمه الله في 8 نوفمبر 1960 بعد صلاة المغرب في حي لكصر بنواكشوط)، ويحيى ولد الحضرامي ولد عبيد، وسعد بوه ولد سيديا ولد سيدي بابا، ومحمد ولد ددَّاهي ولد عبد الله السمسديون. وعبد الله ولد محمد سالم ولد عبد القادر ن من أهل محمد سالم. هؤلاء بعض تلامذة أول قسم فتح في أطار سنة 1936م.

وفي فترة لاحقة سيلتحق بمدرسة أطار: الوزير والإطار السامي الذي شارك في تأسيس الدولة الموريتانية اعلي ولد علاف، والعربي ولد زركان والإداري المرابط ولد برو، وبعد ذلك الدبلوماسي الشهير والباحث محمد سعيد ولد همدي والوزير والإطار السامي أحمد ولد سيدي بابه وغيرهم من الأعيان والأطر السامية ممن ساهموا في بناء الدولة الموريتانية في مراحل متعددة من تطوراتها.

وبين يدي تقارير توحي بأن مكانة مدرسة أطار وسمعتها قد تجاوزت منطقة آدرار؛ حيث طلب العديد من أعيان منطقة الترارزة التحاق أبنائهم بمدرسة أطار، وهو أمر يعود في نظري إلى نوعية الأساتذة الذين كانوا يدرسون بها، وإلى السمعة التي أخذتها المدرسة لكونها بدأت بتعلم اللغة العربية دون سواها.

وبعد عمله في أطار سينتقل عبد الرحمن النقلي إلى تمبكتو وبعد استقلال الجزائر 1962، سيبقي في غرب إفريقيا لكنه انتقل من التدريس إلى العمل الدبلوماسي؛ حيث شغل منصب سفير الجزائر في مالي وموريتانيا والنيجر وبوركينافاسو. وكان ضمن الوفد الجزائري الذي حضر تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية في أديس أبابا سنة 1963. وفي عام 1969 كان من أبرز الفاعلين الجزائريين المنظمين لأول مهرجان ثقافي أفريقي أقيم في الجزائر.

تجربة مدرسة أطار الملهمة:

يبدو من بعض التقارير التي بين يديَّ أنه لما طلبت الإدارة الفرنسية من بوعلام ولد الرويس بعد تحويله من مدرسة أطار أن ينظم مدرسة تمبكتو بشمال مالي، يبدو أن تجربته في مدرسة أطار كانت حاضرة في ذهنه؛ حيث كان أول إجراء قام به هو نقل المدرسة من وسط المدينة إلى ضواحيها تماما مثلما وقع اختياره على كنوال الموجودة خارج مدينة أطار.

كما قام بإجراء مشابه لما قام به في أطار من حيث اختيار طاقم تربوي محلي مشهود له بالكفاءة والمهارة، وقد أوصى ولد الرويس بتكميل هيئة التدريس المالية بموريتانيين اثنين وهو ما من شأنه ضمان إتقان تدريس اللغة العربية بشكل أعمق وأهم بين الموظفين. فقد اقترح أن يتم تحويل محمد ولد عبدِ الله الجكني، وهو الفقيه النحوي المتمكن الذي مر بنا ذكره قبل قليل، إلى تمبكتو. أما الأستاذ الموريتاني الثاني فلم يكن سوى أحد طلاب مدرسة أطار النابهين وهو بدَّي ولد المنير العلوي الشنقيطي، فقد طلب بوعلام ولد الرويس من الإدارة الفرنسية، أن توفد بدي ولد المنير، الذي كان لا يزال طالبًا في مدرسة أطار، وأن يعين أول الأمر مراقبا لدروس اللغة العربية في تمبكتو على أن ينضم بعد ذلك للطاقم التدريسي.

وفي تقرير للإداري روسينول، حاكم دائرة آدرار، فإن محمد ولد عبدِ الله لا تستغنى عنه مدرسة أطار ، وبالتالي لا ينبغي إرساله إلى تمبكتو، وهو ما تم بالفعل حيث بقي في أطار حتى تم تحويله سنة 1943 إلى مدرسة كيفه، وتم تعيين المختار ولد حامدٌ أستاذا بديلا عنه في أطار. أما بدي ولد المنير، المرشح الواعد لأن يعمل في تمبكتو، والذي لا زال يدرس في مدرسة أطار، فقد قبل العرض وذهب إلى منطقة أزواد وصار من أبرز أساتذة مدرسة تمبكتو، مما يعني التأثير المبكر لمدرسة أطار في الفضاء الغرب إفريقي.

ومن المعلوم أن بدي المذكور هو ابن لحبيب بن محمد الأمين بن المنير بن لحبيب بن مامون بن الأمين بن المختار بن هاشم بن احمين المختار بن أحمد بن أعمر يبني العلوي، وأمه فاطمة بنت الشيخ ولد البخاري، من آمكاريج من إدوعلي بشنقيط. وكانت له 18 سنة عند دخوله مدرسة أطار. وقد تزوج وهو بتمبكتو من عائلة من آل سيد المختار العلوي المعروفين في بوجبيهة وله منها ذرية. كما أن له كتبا ورسائلَ وتقييداتٍ ما زالت محفوظة في مركز أحمد بابا، وقد اطلعت على صور منها في مكتبة جامعة أوربانا شامبين وأخرى في مكتبة جامعة نورث ويسترن بالولايات المتحدة الأمريكية.

وكان بدي ولد المنير هذا من المراجع التي اعتمد عليها أحمد بن بولعراف التكني الموسوعلي التنبكتي في كتابه “إزالة الريب والشك والتفريط في ذكر المؤلفين من أهل التكرور والصحراء وأهل شنجيط”، وهو كتاب فيه معلمة هامة ترجم لها المؤلف، وساق مرارا في كتابه هذا معلومات أخذها عن بدي ولد المنير.

خاتمة:

كان دور مدرسة أطار النظامية في النصف الأول من القرن العشرين دورا مؤسسا في نظامنا التعليمي، فقد كانت منارة تربوية على مستوى التنظيم وعلى مستوى هيئة التدريس وعلى مستوى الطلاب، لذلك كانت تجربة نوعية، ولا أدل على ذلك من تأثيرها المبكر في بعض مدارس غرب إفريقيا وخاصة مدرسة تمبكتو كما رأينا. ولا شك أن أي تأريخ للتعليم في هذه البلاد لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار ما تجربة هذه المدرسة الغنية ومسارها المتميز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *