هلال العيد!

خالد ولد الفاظل ـ كاتب

هناك الكثير من الضجيج في هذا العالم المترامي الأزمات، هناك جرائم تستيقظ بحيوية كل يوم مع أنفاس الصباح، هناك سلام دائم يتبتل في عيون الأطفال الرضع. لماذا نتقاتل؟ لن أطرح هذا السؤال المطاطي في هذا الوقت المتأخر من حروب وصراعات البشرية، لكنني سأجيب عليه بطريقة ساذجة.

في أحد المساءات إن صح جمع المساء، كنتُ أعبر من أحد الشوارع الترابية في العاصمة وتصادفت مع صبي صغير يجلس عند سيارة ويفرغ الهواء في عجلاتها، تخيلت وقتها ملامح ذلك المسكين البالغ عندما يجد عجلات سيارته مفرغة من الهواء وعاجزة عن السير، قلت للصبي الشرير توقف، ماذا تفعل؟

أجابني بأعصاب باردة، إنها السُنَّة، المذهل في الحكاية ليست قدرة الصبي على ممارسة الشر بل محاولته لتبرير الشر، كنتُ متأكدا بأن إجابة الطفل كانت بريئة وعفوية لكنها بكل تأكيد لم تكن مستوحاة من الفراغ، ربما يسمع بشكل يومي فنونا من التبرير لبعض الممارسات الآثمة كسرقة الكهرباء من الأسلاك المدفونة في الأزقة ولتسويق البضائع المنتهية الصلاحية داخل السوق ولأشياء أخرى.

الأطفال يمارسون الآثام أيضا، الفرق بينهم وبين البالغين يكمن فقط في قدرة البالغين على تبرير أفعالهم. ربما لا تصابون بالدهشة إن أخبرتكم بأن العناوين المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات مجرد عناوين فقط، وأنه لا توجد دول مارقة، مارقة عن ماذا؟ إنها دول تبحث وحسب عن مصالحها مثل الجميع، تنقصها فقط القوة الاقتصادية والفكرية لتبرير أفعالها. أحدهم ينشط في تهريب عجائن (المكرونا) من الحدود يبدو سعيدا بعمله، لأنه يجعل الأسر الفقيرة تتناول العشاء بأقل ثمن ممكن، مع أنه يتهرب وبمشقة من الجمارك في الطرق الرملية الوعرة، إنه يبرر نشاطه كما برر عروة بن الورد قطعه للطرقات زمن الجاهلية ليطعم الفقراء.

أفعالنا بغض النظر عن منسوب الشر والخير في كنهها وقدرتنا على تبريرها، لن يتضح لنا صلاحها المطلق إلا إذا كانت لدينا القدرة على تشريح النيّات من وراء القيام بها، وتلك القدرة لا يمتلكها إلا الله وسيقوم بها يوم الحساب لتقييم جميع أعمالنا. قبل ذلك، علينا كبشر أن نحتكم لمنطق العمران ولحتمية الاختلاف لنتعايش بسلام، وإلا فإننا سنعود للشجار مثلما يفعل الأطفال الصغار عندما يتقاسمون الحلوى قسمة ضيزى.

عندما تقاعس إبليس عن السجود مع الملائكة حاول أن يبرر أثمه بأفضلية النار على الطين، وكان يعتقد بأنه الأفضل مثلما يعتقد الكثيرون منا في هذه الحياة الدنيا عندما ينظرون بدونية لبعض البشر. منذ هبوط آدم ونحن البشر نتصارع فيما بيننا والجميع يحاول أن يجد مبررا لما يفعل، حتى يوهمنا أنه على صواب وأن الحقيقة المطلقة بحوزته، لن أخوض في تفاصيل الموضوع لأن الشيطان يكمن فيها ولن أضرب أمثلة حتى لا يركلني أحدهم بفردة حذائه على القفا.

كل ما في الحكاية، أنني تعودت أن أصوم عرفة كل عام، فصيامه يغفر العام المدبر والمقبل، وصومه فيه أيضا ضمان لعيش العام المقبل كما سمعت، وأنا لا أريد أن أموت في السنة الدراسية 2019-2020 أثناء إصلاح التعليم والوطن كما يزعمون الآن. وكما تعلمون، فإن أسباب الموت في هذا البلاد كثيرة وليس من أندرها أن تسلك طريق الأمل وتموت في حادث سير مروع نظرا لرداءة الطريق وغياب الصيانة والرقابة والإسعافات المتحركة، أو أن يطعنك غيلة لص مغمور بداخل أحد الأزقة المظلمة التي لم توفر لها البلدية أعمدة الإنارة الكافية رغم أن اللص لا يعرفك وليست بينكم عداوة، لكنه يريد أن يعيش، وإن كانت طريقته غير شرعية ومؤذية، لكنه سيبرر فعلته في المحكمة، بأنه-كلص مغمور- لم يجد طريقة قانونية لكي يعيش في الوطن كما يعيش اللصوص المثقفون، ولم يجد أيضا فرصة عمل، ونتيجة تسربه من المدرسة لظروف قاهرة لم يتحصل على شهادة تخوله المشاركة في مسابقة حراس الغابات أو مفتشو الضرائب، إنه المنطق نفسه الذي سوف تستخدمه بدورك عندما تقوم بالدفاع عن قريبك الذي سرق المال العام، الفرق بينكم يكمن فقط في القدرة على التبرير وعلى اختلاف أرضية النفوذ التي تقفون عليها.

نعود لهلال العيد، لم أكن أعتقد بوجود حدود في السماء، بحيث أصبح الهلال يحتاج جواز سفر ليعبر إلى دولة أخرى، أو حتى ليقفز فوق دولة ليصل لدولة أخرى. في زمن تقنية البث المباشر والأقمار الصناعية يبدو هذا الخلاف برؤية الهلال إلى هذا الحد غير مستساغ، وإن كان اختلاف الحكومات بهذا الصدد ليس رحمة بشعوبها طبعا، إنما هو في أحسن أحواله مجرد إظهار للسيادة واستقلالية القرار على حساب هلال نحيل لا حول له ولا قوة، ولا ذنب له في مآسينا وصراعاتنا المذهبية والسياسية التي تحركها أمزجة أفراد يتحكمون في أوطان ضخمة والتي راحت ضحيتها بلاد كثيرة ليس آخرها اليمن السعيد.

على كل حال، ليس الهدف من المقالة إدخال شعبان في رمضان والضرب تحت الحزام، فقط أنا كمواطن بسيط غير متفقه في الأحكام الشرعية أضاع علي اختلاف الحكومات والعلماء في رؤية هلال العيد، أكبر فرصة للبقاء حيا في بلادي وذلك بصوم يوم عرفة وضمان سنة أخرى من الحياة، وإن كانت أعمارنا على كل حال بيد لله، فقط للاطمئنان، فأن تعيش مطمئنا أفضل من أن تعيش خائفا، وفي نهاية المطاف سنموت في الوقت المناسب كما ولدنا في الوقت المناسب، هذا إن فصلنا المكان(موريتانيا) عن الوقت(العمر) كما يقول بذلك المعتقدون بإمكانية الفصل بين الزمان والمكان للعيش بسلام.

هنا نواكشوط الشمالي(الحي الإداري). أتمنى لكم عيدا سعيدا وكل عام وأنتم بألف خير. أسامح الجميع، بما فيهم الأسلاف، والبلدية، ووزارة التعليم، ولجنة مراقبة الأهلة، وأم أسلافي(أولادي) التي تأخرت كثيرا في الوصول، يبدو أنها تنتظرني والحقيقة أنني أنتظرها، فمتى سنلتقي؟ يبدو أنه سؤال فلسفي معقد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *